مي زيادة (بالإنجليزية: May Ziadeh) هي أديبة وكاتبة لبنانية فلسطينية وُلدت في الناصرة، فلسطين، بتاريخ 11 فبراير 1886 لأب لبناني يعمل معلمًا للغة العربية وأم فلسطينية من أصل سوري تعني بالأدب، مما كان له بالغ الأثر في نشأتها وتكوينها الأدبي، وتُوفيت في القاهرة، مصر، بتاريخ 17 أكتوبر 1941، وهي إحدى الشخصيات البارزة في تاريخ الأدب العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين.

نشأة مي زيادة

أمضت مي زيادة سنواتها الأولى في الناصرة بفلسطين وتلقت تعليمها الابتدائي فيها، ثم انتقلت إلى لبنان وتلقت تعليمها الثانوي في عينطورة بلبنان. وانتقلت مع أسرتها عام 1907 إلى القاهرة، مصر، وهناك درست في كلية الآداب وأتقنت لغات عدّة منها الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والألمانية والإسبانية واللاتينية واليونانية والسريانية.

وبعد ذلك، عملت مي زيادة في تدريس اللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية التي كانت تنشر بها أعمالها في البداية. وفي الوقت نفسه، كانت تدرس اللغة العربية وأكملت دراساتها في الأدب العربي والتاريخ الإسلامي والفلسفة في جامعة القاهرة.

أسماء مي زيادة

لم يكن مي هو الاسم الأصلي الذي أسماها به والداها، بل الاسم الذي اختارته لنفسها، أمّا اسمها الأصلي فهو "ماري إلياس زيادة" واختارت اسم "مي" لأن اسمها إفرنجي وغريب على مسامع العرب في حين أن اسم "مي" عربي ومألوف على مسامع العرب وسهل النطق به.

بالإضافة إلى ذلك، سُميت مي بالكثير من الأسماء مثل إيزيس كوبيا وعائدة وكنار وشجية والسندبادة البحرية الأولى ومدموزيل صهباء وخالد ورأفت، وكانت توقع مقالاتها وقصصها بهذه الأسماء التي كانت تختلف باختلاف الحالة.

وفي هذا السياق، تقول مي زيادة في رسالتها الأولى إلى جبران خليل جبران عام 1921م "أُمضي مي بالعربيّة، وهو اختصار اسمي، ويتكوّن من الحرفين الأول والأخير من اسمي الحقيقيّ الذي هو ماري، وأُمضي إيزيس كوبيا بالفرنجيّة، غير أنّ هذا لا أسمى ولا ذاك، إنّي وحيدة والديّ، وإنْ تعدَدَت ألقابي".

صالون مي زيادة الأدبي

أنشأت مي زيادة صالونها الأدبي عام 1912 تحت اسم "ندوة الثلاثاء" واتخذت منزل والدها في القاهرة مقرًا له، واستمرّ انعقاد الصالون عشرين عامًا، وكانت تحظى بتقدير وإطراء حاضري الصالون لفراستها وتمكّنها من إدارة الصالون بذكاء وشجاعة، وفي هذا السياق يقول عنها العقاد "ووُهِبتْ ما هو أدلّ على القدرة من ملكة الحديث، وهي ملكة التّوجيه، وإدارة الحديث بين مجلس المختلفين في الرأي والمزاج والثّقافة والمقال"، وكان من بين من يحضرون صالون مي زيادة الأدبي: عباس محمود العقاد ومصطفى صادق الرافعي وطه حسين وأحمد زكي باشا وأحمد شوقي وملك حفني ناصف.

أعمال مي زيادة

تميزت أعمال مي زيادة بسعة الأفق ودقة الشعور وجمال اللغة، وساعدها اطلاعها وثقافتها الواسعة ومعرفتها بأكثر من لغة في الإبداع في مجال الصحافة فنشرت مقالات وأبحاث في كبرى الصحف المصرية مثل "صحيفة المحروسة" التي خصصت لها باب ثابت اسمه "يوميات فتاة" كانت تنشر فيه أراءها بجرأة تحت أسماء مستعارة.

بالإضافة إلى ذلك، أنشأت مي باب جديد تفاعلي في صحيفة "السياسة الأسبوعية" أطلقت عليه اسم "خلية النحل"، وكانت تعيد فيه صياغة الأسئلة والأجوبة التي تأتي من قرّاء الجريدة وتعدّه للنشر بأسلوب سلس ومناسب، والجدير بالذكر أن هذا الباب كان الأول من نوعه وزاد من إقبال الشباب على القراءة.

لم تقف كتابات مي زيادة حد صحيفتي المحروسة والسياسة الأسبوعية فقط، بل كانت تكتب لصحف أخرى مثل المقطم والأهرام والزهور والهلال والمقتطف. ولم يقف إنتاجها الأدبي حد المقالات والصحف فقط بل كانت لها أعمال أدبية أخرى مثل ديوان شعر "أزاهير حلم"، وكان أول عمل لها وكُتب باللغة الفرنسية عام 1911، وكتاب "باحثة البادية"، "كلمات وإشارات"، "المساواة"، "ظلمات وأشعة"، "بين الجزر والمد"، "الصحائف".

مؤلفات مي زيادة

تعددت مؤلفات مي زيادة بين المقالات والأبحاث والكتب، ومنها:

المساواة

تناول كتاب "المساواة" التطور الاجتماعي للإنسانية والنظم الاجتماعية في العصر الحديث، وتطرق للحديث عن الطبقات الاجتماعية وبعض المصطلحات المرتبطة بها مثل الأرستقراطية والديمقراطية وغيرها.

باحثة البادية

يتطرق كتاب "باحثة البادية"، وهو دراسة نقدية رصينة عن الكاتبة المصرية ملك حفني ناصف، إلى دراسة الظاهرة الأدبية والاجتماعية الفذة لملك حفني ناصف التي اشتهرت بكونها مصلحة اجتماعية وأديبة وأول امرأة تبرز في الخطابة في العصر الحديث، أمّا "باحثة البادية" فهو الاسم المستعار لملك حفني ناصف.

بين المد والجزر

يعني كتاب "بين المد والجزر"، وهو مجموعة من الدراسات والأبحاث، بالأدب والفن والحضارة، وفيه تتناول مي زيادة أهمية الاعتناء باللغة العربية والحفاظ عليها، وتنادي بضرورة العودة إليها وكيف أن اللغة سبب في بقاء الأمم وإحياء الحضارات. وتتناول أيضًا فترات الضعف التي مرّت بها اللغة العربية واستمراريتها.

عائشة تيمور

تتناول مي زيادة في كتابها "عائشة تيمور" حياة الأديبة والشاعرة المصرية والشخصية البارزة في الأدب والعلم عائشة التيمورية، وتتناول فيه دواوينها الشعرية وكتاباتها النثرية، وتقول عنها "كانت كلّما دفقت نمت التّيمورية في ذهني، وتفرّدت صورتها أمامي إذ لم يقم على مقربة منها صورة تسابقها أو تشبهها ولو شبهًا بعيدًا".

وردة اليازجي

تتحدث مي زيادة في كتابها "وردة اليازجي" عن الأديبة والشاعرة اللبنانية وردة اليازجي وتستعرض فيه حياتها وفكرها، وتتناول ديوانها الشعري "حديقة الورد" الذي وصفته بأنه نوع مختلف من الأدب والشعر.

يوجد مؤلفات أخرى خطّها قلم مي زيادة مثل كتاب "غاية الحياة" وكتاب "ظلمات وأشعة" وغيرها من الكتب والتراجم والأبحاث.

مي زيادة وفن الرسائل

راسلت مي زيادة العديد من الأدباء والشعراء والكُتاب، وكذلك المفكرين والسياسيين الذين كانوا أعلامًا في عصرها، وكانت مهتمة بالمرأة وقضاياها فتواصلت مع رائدات الحراك النسائي في مصر وسوريا ولبنان، وتضمنت رسائلها لهم بعض الموضوعات مثل النهوض بالمرأة ومشاركتها المجتمعية وقضايا الإصلاح المجتمعي، بالإضافة إلى النقد وأراءها في الكتب الصادرة في عصرها. ويُذكر أن مي زيادة أضافت إلى شكل ومحتوى فن الرسائل حيث تناولت موضوعات جديدة مثل نقد الكتب وأوصاف الطبيعة، بالإضافة إلى قضايا المرأة.

ويتميز أسلوب مي زيادة في الرسائل بالوضوح والسهولة والدقة في اختيار العبارات والقدرة على الانتقال من فكرة إلى أخرى بسلاسة وقوة الحوار والحديث، مما أخذ نهج الرسائل إلى آفاق جديدة بعيدًا عن العاطفة والمشاعر، وجعل أصدقاءها يحتفظون برسائلها.

مي زيادة والأسلوب الأدبي

تفردت مي زيادة في أسلوبها الأدبي ولم تتبع نهج الآخرين، بل لم تتبع نهج المدارس الفنية التي تعني بالأدب في عصرها، ووُصف أسلوبها بالبساطة والسلاسة والعفوية، ولعل بعضًا من ذلك يعود إلى ثقافتها الغربية الواسعة واللغات المختلفة التي كانت تتقنها، ومن الأمور التي كانت مي تتبعها في أسلوبها:

  • العرض المنطقي والهندسي لما تطرحه
  • العرض التسلسلي في الكتابة
  • السرد التشويقي في عرض الأفكار
  • الانتقال بين الأفكار باستخدام الأساليب الإنشائية المختلفة كالاستفهام والاستنكار والتعجب
  • إيراد الحكمة في نهاية النص الأدبي
  • استخدام المفردات التي تصور للقارئ خيالًا جميلًا في ذهنه
  • استحضار الوجدانيات بأسلوب غامض وألفاظ روحية
  • توجيه النصوص لكافة الناس ولكل الطبقات
  • الابتعاد عن المحاكاة والتقليد

مي زيادة والنقد

حظيت مي زيادة بتقدير وتكريم أعلام الأدب المعاصرين لها، وأُطلق عليها العديد من الألقاب مثل "الأديبة النابغة"، وأسماها الرافعي "سيدة القلم العربي"، ولقبها الأمير شكيب أرسلان بلقب "أديبة العصر"، لكنها كغيرها من الأدباء وُجّه لأعمالها نوعان من النقد، وهما:

  • النقد المادح المبني على الإطراء والثناء على العمل الأدبي دون تحليله والتعمق في مضمونه، أي يُنظر إلى العمل الأدبي بسطحية دون التمحيص والتدقيق.
  • النقد التحليلي المبني على قراءة النص والإحكام، ولذلك يكثر فيه الاعتراض، وكان هذا النقد يُوجه لمي في قضايا المرأة بشكلٍ خاص.

وفاة مي زيادة

عانت مي زيادة بعد وفاة والدها عام 1929 ثم وفاة حبيبها جبران خليل جبران عام 1931 ثم وفاة والدتها عام 1932، وتدهورت حالتها النفسية والجسدية وعزلت نفسها عن الناس، حتى أصدقاءها ومعارفها، وتوقفت عن الكتابة عام 1935، وعادت إلى لبنان عام 1936 حيث أُجبرت على الدخول إلى مصح للأمراض العقلية والنفسية، وفيه أضربت عن الطعام حتى وصل وزنها إلى 28 كيلو جرام، ولم توقف الإضراب حتى نُقلت إلى مستشفى آخر.

وفي عام 1937، نُقلت مي زيادة إلى مستشفى آخر حيث تحسنت صحتها وسكنت في بيت ريفي في بيروت، ثم عادت إلى مصر بمساعدة أصدقاء لها. وفي مصر، استقرت في منزل صغير وكتبت رسائل إلى من ساعدوها في محنتها ومنهم أمين الريحاني الذي ساءت حالتها بعد وفاته. أصيبت مي بالخفقان وضيق التنفس وتوفيت في 19 أكتوبر 1941، وكُتب العديد من المقالات والخواطر في رثائها، وأقيم حفل تأبين لها في دار الاتحاد النسائي حضره العديد من الأدباء العرب ومنهم طه حسين الذي رثاها قائلًا:

خليليَّ عُدَّا حاجتي من هواكُما

ومن ذا يواسي النّفس إلاّ خليلها؟

ألمّا بمي قبل أن تطرح النّوى

بنا مطرحاً أو قـبل بَيْن يُزيلها

فإلّا يكُن إلّا تعلُّل ساعة قليلاً

فإنّي نافع لي قليلها