الرواقية مذهب فلسفي نشأ في أثينا على يد زينون الرواقي في بدايات القرن الثالث قبل الميلاد، ونشأت الفلسفة الرواقية فكرًا مناقضًا تمامًا للأفكار التي طرحها كل من سقراط وأفلاطون وأرسطو، فبينما نجد أن هؤلاء اعتمدوا في فلسفتهم على الجانب النظري، لم يولِ الفلاسفة الرواقيون اهتمامًا للآراء النظرية، بل اتخذوها وسيلة من أجل تحقيق التجارب العملية في الحياة، لذا فإن الفلسفة لديهم لا تعني أن يلاحظ الإنسان السماء والأرض ببصره ثم يتوقف عند هذا الحد، بل إنها تعني فن الفضيلة وصنعها في الحياة الواقعية.

بمعنى أن فلسفة الشخص لا تتمثل فيما يقوله بل فيما يفعله ويتصرف في ضوءه، ولهذا آمن الرواقيون أن الفضيلة تكفي لتحقيق السعادة وأن الفرد الحكيم لا يعاني من عثرات الحظ التعس، ويعتقد الرواقيون أيضًا أن العواطف تنجم عن الخطأ في الحكم، لأن الإنسان الذي يتمتع بالأخلاق وكمال الفكر والحكمة لن تؤثر فيه العواطف والمشاعر، وكان للفلسفة الرواقية منذ ظهورها شعبية كبيرة في أثينا واليونان ومختلف أنحاء الإمبراطورية الرومانية وأثرت على الجميع، لا سيما الإمبراطور ماركوس أوريليوس، حتى عام 529م، حيث أمر الإمبراطور جستنيان الأول بإغلاق كل المدارس الفلسفية لأنه كان يرى أنها وثنية ومخالفة لتعاليم المسيحية.

نشأة الفلسفة الرواقية وتطورها

يُعدّ زينون الرواقي أو زينو القبرصي هو مؤسس المدرسة الرواقية، إذ إنه كان يمتلك شتى المعارف بفروع المذاهب الفلسفية، حيث إنه درس فلسفة الكلبيين والميغارية وتعاليم سقراط وأفلاطون، وخلطها جميعًا ليخرج منها مذهب وفلسفة جديدة طبعها بطابعه الخاص حسب فكره، فأسس المدرسة الرواقية حوالي عام 300 ق.م، وخلفه كلنثيس وتزعم المدرسة من بعده وكان يديرها بين عامي 264 و232 ق.م، وفي عهده اكتسبت الفلسفة الرواقية نزعتها الدينية التي اشتهرت بها، وخلفه في الزعامة كريسبس، حيث تولى رئاسة المدرسة الرواقية بين عامي 232 و204 ق.م، وبفضله اكتملت كل جوانب النقص في المذهب الرواقي، بجانب أنه صاحب الفضل في الرد على أسئلة المتشككين والنقاد.

واستمر المذهب الرواقي ينتقل من زعيم لآخر في أثينا حتى عام 150 ق.م، بعدها انتقل إلى روما وظل هناك حتى عام 200م، ومن أهم زعمائه هناك: سينيكا وأبكتيتس وشيشرون وماركس أورليوس وغيرهم، لكن للأسف لم يصل لنا من الفلاسفة الرواقيين في القرون الأولى إلا القليل من كتاباتهم، على الرغم من أنهم في هذه الفترة خطوا العديد من الكتب والمؤلفات، حتى أنه يقال إن كريسبس وحده ألّف أكثر من 700 كتاب، ولهذا كان من الصعب على العلماء والباحثين والمؤرخين أن ينسبوا أفكار الرواقيين إلى أصحابها، فتعذر عليهم التمييز بين آراء زينو وآراء أتباعه الذين خلفوه لا سيما كريسبس، لذا ينظر إلى المذهب الرواقي دائمًا وحدة واحدة لا أجزاء ومراحل.

أهم الأفكار التي تؤمن بها الفلسفة الرواقية

كان الفلاسفة الرواقيون يعتقدون أن الفلسفة أكبر من مجرد تسلية أو علم قائم لذاته، بل إنهم آمنوا أنها طريقة لعيش الحياة، وهي بهذا ممارسة حياتية خالصة، وكانوا ينظرون إلى المنطق كالسور والفيزياء هي التربة الخصبة بينما الأخلاق هي ثمرتها، وبالتالي كانوا يؤمنون أن المهمة الرئيسية للفلسفة هي تحقيق الأخلاق لا المعرفة، فالمعرفة مجرد وسيلة يمكن بها للمرء اكتساب الحكمة والمهارات الحياتية، بجانب أنهم آمنوا بأن الحياة تعاش وفقًا للطبيعة، لأن القدر هو ما يحدد كل شيء فيها، ومن يتقبل هذه الحقيقة فإن القدر يعطيه ويرضيه، ومن يرفضها يرغمه القدر على القبول، ويمكننا توضيح أهم خمس أفكار للرواقية فيما يأتي:

المادية

كان الرواقيون ينظرون للطبيعة نظرة مادية، ويرون أن كل شيء في العالم هو أجسام لها كثافة مختلفة، وأنه لا يوجد شيء آخر بخلاف الأجسام وأن أي شيء غير متجسد فهو غير موجود، وفي فلسفتهم تتحد المادية مع المذهب الأسمى وتكون مسؤولية الحواس فهم الواقع بتصنيفه أشياء جزئية، وآمن الرواقيون بأربعة أشياء أساسية: الموجود، الكيف، الكينونة، الحالة النسبية.

المعرفة

آمن الرواقيون أن المعرفة لا تتحقق باستخدام العقل، بل تتحقق عن طريق استخدام الممارسة العملية فقط، فعن طريق التجربة العملية وحدها يستطيع الإنسان التمييز بين الصحيح والخاطئ.

الكون والله

نظر الرواقيون للكون نظرة منطقية مادية، فالكون عندهم مادة منطقية تعرف بالله أو الطبيعة، وهي فئتين: الفئة الفعالة الراكدة والجاهزة لأي استخدام، لكنها تستمر في سكونها إذا لم يمنحها أحدًا ما الحركة، أما الفئة الفعالة فهي ما يطلق عليها القدر أو الأثير الذكي أو النار الأزلية أو المنطق العالمي، وهي التي تعمل وتحرك المادة المنفعلة.

علاقة الإنسان بالعالم

دعت الرواقية إلى الكونية، أي أن يعيش الناس وفقًا لروح واحدة عالميًا، وأن تربطهم علاقات محبة وأخوة، فيقول أبكتيتوس على سبيل المثال حول علاقة الإنسان بالعالم الذي يعيش فيه: "كل إنسان هو مواطن لذاته في المقام الأول، لكنه عضو في مدينة كبيرة من الرجال والآلهة"، ويقول ديوجين سنوب: "أنا لست ذاك الأثيني أو الكورنثي، بل أنا مواطن من هذا العالم".

الجبرية

الفلسفة الرواقية هي فلسفة طبيعية جبرية، بمعنى أنها تؤمن بوحدة الموجود، وترى أن هدف الفكر لا يكون الشعور بالسعادة، لأن السعادة ما هي إلا شعور عرضي يظهر بوصول الإنسان إلى الحقيقة، وهم يعتقدون بالجبرية، أي أن الإنسان يكون مجبور على أفعاله، لهذا فهم يؤمنون أن الحكيم الرواقي عليه ألا يهتم بمشاعر وانفعالات كالخوف والحسد، بل عليه أن يهتم فقط بالانفعالات الصادرة عن شعوره بالمسؤولية، وتُروى قصة في هذا الشأن تقول إن زينو الرواقي كان يضرب عبدًا لديه على خطأ اقترفه، فذكره العبد بالفلسفة التي صاغها، والتي تقول إن الإنسان مجبور على أفعاله لكي ينال عفوه، إلا أن زينو رد عليه قائلًا إنه هو أيضًا مجبور على ضربه.