كان لوتشانو بافاروتي (بالإيطالية: Luciano Pavarotti)‏ بلا شك أحد أكثر المطربين المحبوبين والذين نالوا جزء كبير من الشُهرة في عصرنا، وحتى بعد وفاته، لا يزال الملايين من الناس يتذكرون موهبته وأغانيه بعاطفة كبيرة، لأنه عندما كان يصعد على المسرح، كان صوته المميز يسحر الناس، وفي هذا الموضوع من "مشربية"، أردنا أن نشيد إشادة مستحقة على التينور الإيطالي ونقربكم أكثر من حياته الشخصية والمهنية الاستثنائية.

 السنوات المبكرة للوتشانو بافاروتي

ولد لوتشانو بافاروتي في 12 أكتوبر 1935 بمدينة مودينا في إيطاليا، وهو الابن الوحيد لفرناندو وأديل، وكان والده يَعمل خبازًا وكان أيضًا من هواة الفن، فهو الذي غرس فيه حب الموسيقى ولاحظ موهبته في سن مبكرة.

وعاش بافاروتي طفولة صعبة لأن عائلته لم يكن لديها الكثير من الموارد المالية، وفي البداية، رفض فكرة أن يكون مُغنٍ محترفًا بسبب التوتر الذي يحدث له عند صعوده على المسرح، ومع وصول الحرب العالمية الثانية، كان عليه أن ينتقل مع أقاربه إلى الريف، حيث أبدى اهتمامًا كبيرًا بالزراعة.

وبدأ لاحقًا الدراسة في مدرسة ماجسترال، حيث أظهر ولعًا كبيرًا بكرة القدم، وبعد تخرجه من هناك، عمل مدرسًا، وبعدها أقنعته والدته أخيرًا بامتهان الموسيقى.

البداية الفنية للوتشانو بافاروتي

حقق لوتشانو بافاروتي أول نجاح موسيقي له في عرض مع والده بدولة ويلز في مهرجان "لانغولين"، حيث فاز بالجائزة الأولى، وفي عام1961 حصل على أول تقدير شخصي له في مسابقة "أشيل بيري" الدولية ولعب دور رودولفو في فيلم "لابوهيم" لبوتشيني بقيادة فرانشيسكو موليناري براديلي، بجانب أنه لعب أيضًا دور "دوق مانتوفا" في "ريجوليتو" تحت قيادة السيد توليو سيرافين.  

وشكّلت كل هذه النجاحات الشخصية الفنية للوتشانو وجعلته معروف في جميع أنحاء إيطاليا، وفي نفس العام، 1961، تزوج من أدوا فيروني وأنجب منها ثلاث بنات.

السطوع خارج إيطاليا

في عام 1963، حل محل المغني "جوزيبي دي ستيفانو" في دور رودولفو في دار الأوبرا الملكية في "كوفنت غاردن" بلندن، وأيضًا في ليلة الأحد في بالاديوم، وهو برنامج تلفزيوني إنجليزي مشهور.

وفي عام 1965، وصل لوتشيانو إلى ميامي بالولايات المتحدة الأمريكية حيث لعب دور إدجاردو في فيلم الأوبرا "دونيزيتي لوسيا دي لاممرور" تحت إشراف ريتشارد بوينج، وفي العام نفسه، لعب دورًا في فيلم الأوبرا "إكسير الحب من دونيزيتي"، وكان أول ظهور له أيضًا في مسرح " لا سكالا" بميلانو، حيث طُلب على وجه التحديد لغناء أوبرا البوهيمي للمُلحن جاكومو بوتشيني.

وفي عام 1966، قدم بافاروتي عرضًا في دار الأوبرا الملكية مع المغنية "جوان ساذرلاند"  بالاشتراك مع المُلحن غايتانو دونيزيتي. وفي 17 فبراير 1972، في أوبرا متروبوليتان في نيويورك، أدى بافاروتي تسعة أصوات عالية، وهو شيء صعب للغاية في الأوبرا، ولهذا تلقى ترحيبًا حارًا وأعاده الجمهور إلى الستارة سبع عشرة مرة للتصفيق له، وهو رقم قياسي لم يُحطم بعد.

وبفضل التكنولوجيا، تم تسجيل أعمال بافاروتي وتصويرها وبثها بشكل متكرر على شاشة التلفزيون، فزادت شعبيته أكثر ووصل صوته إلى كثير من المُستمعين والمُتفرجين.

شُهرة في جميع أنحاء العالم

بعد النجاح العالمي في مجال الأوبرا، وسع التينور الإيطالي عروضه خارج السياق الضيق للمسرح، حيث نظم حفلات في الساحات والمتنزهات وما إلى ذلك، وحضرها آلاف الأشخاص من أكثر بقاع الأرض تباينًا، وأبرز الحفلات المثيرة لهذا النوع كانت بعام 1980 في سنترال بارك في نيويورك، وقام بأداء "ريجوليتو" في شكل حفلة موسيقية، والتي شهدت حضور أكثر من عشرين ألف شخص، وإلى جانب ذلك، أسس "مسابقة بافاروتي الدولية للصوت"، والتي تُجرى منذ عام 1981 كل ثلاث أو أربع سنوات في فيلادلفيا.

وخلال الثمانينيات وأوائل التسعينيات، بشكل عام، أصبح لوتشانو بافاروتي مشهورًا جدًا في جميع أنحاء العالم بسبب حفلاته الشعبية المتكررة، واشتهر أيضًا بالعروض المُشتركة، وذلك عندما كان يُغني جنبًا إلى جنب مع المُغنيين الأوبراليين من إسبانيا "خوسيه كاريراس وبلاسيدو دومينغو" وكان يُسافر حول العالم معهما.

وكان من بين أنجح حفلاته تلك التي قُدمت في روما عام 1991 ولوس أنجلوس عام 1994 تحت اسم "لوس ثري تينورز"، مما جعلت المبيعات لأعماله الموسيقية الأكثر شهرة في النصف الثاني من القرن العشرين.

وابتداءً من عام 1991، قام سنويًا بتنظيم حفلة تُسمى "بافاروتي والأصدقاء"، حيث غنى مع شخصيات موسيقية رائعة من أجل جمع الأموال لمنظمة "أطفال الحرب"، ولا ننسى أيضًا أداءه في افتتاح كأس العالم لكرة القدم 1990 في إيطاليا.

مواصلة الإبداع

واصل بافاروتي ذلك النوع من الحفلات المفتوحة، ففي عام 1991، أذهل أكثر من 100 ألف شخص بحفل موسيقي رائع في حديقة هايد بارك بلندن، وذلك على الرغم من هطول الأمطار الغزيرة التي سقطت أيضًا على الأمير تشارلز والأميرة ديانا، وأصبح العرض حدثًا إعلاميًا يُذاع على الهواء مباشرة على شاشات التلفزيون في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة.

وتكرر نجاح حفلة لندن في عام 1993 في سنترال بارك في نيويورك للمرة الثانية، حيث وصل حشد ضخم يتكون من 500 ألف متفرج إلى الحفل الموسيقي الذي بُث على التلفاز أيضًا، وشاهده في أمريكا وأوروبا ملايين الأشخاص، وهو بلا شك علامة فارقة في الحياة الفنية لبافاروتي.

وتُشير أرقام المبيعات إلى بيع أكثر من 65 مليون نسخة في حياته المهنية التي تزيد عن 30 عامًا.

السنوات الأخيرة

كان آخر أداء أوبرالي لبافاروتي في أوبرا نيويورك متروبوليتان في 13 مارس 2004، ولعب دور "ماريو كافارادوسي" في "أوبرا جياكومو بوتشيني توسكا" في مايو من نفس العام، وبعدها أعلن عن جولة الوداع التي تتكون من أربعين حفلة موسيقية حول العالم. وفي فبراير 2006، قدم أغنية نيسون دورما كاحتفال ختامي لحفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية لعام 2006 في الاستاد الأولمبي في تورين.

وفي ديسمبر 2003 وفي سن 68، تزوج من سكرتيرته السابقة نيكوليتا في حفل مدني أقيم في المسرح في مسقط رأسه بمودينا وأنجب منها  توأمان، لكن نجا واحد منهما فقط، وكان لدى بافاروتي بالفعل ثلاثة أطفال من زواجه من أدوا كما ذكرنا سابقًا، والتي انفصلت عنه عندما بدأ علاقتة مع نيكوليتا.

الوفاة

في بداية عام 2006، ظهرت عليه مشاكل صحية اضطر بسببها إلى إلغاء جولة الوداع -الجولة الأخيرة التي كان سيقدمها لأتباعه-  بسبب ورم خبيث تم اكتشافه في البنكرياس،  وبعد أن خضع لعملية جراحية لإزالته، ساءت حالته الصحية بسبب الالتهاب الرئوي. وفي 6 سبتمبر 2007، توفي وهو في  منزله بسبب معاناته مع المرض، وتم نقل جثته إلى مودينا لإجراء مراسم الجنازة التي حضرها شخصيات مهمة جدًا.

وحصل لوتشيانو بافاروتي خلال حياته على العديد من الجوائز، منها وسام الاستحقاق من فارس الصليب الأكبر للجمهورية الإيطالية والجنسية الفخرية الممنوحة من بلدية بورتوماجيوري وجائزة التميز الثقافي من وزارة التراث الثقافي، وفاز بست جوائز جرامي، وتم  تعيينه سفيرًا للسلام من قِبل الأمم المتحدة.

ومن أقوال بافاروتي: أعتقد أن الحياة المخصصة للموسيقى هي حياة أمضيتها بشكل جميل وهذا ما كرست نفسي له.

أخيرًا، كان بافاروتي يتمتع بقيمة لا جدال فيها، وهي امتلاك واحد من أروع الأصوات التي سمعناها على الإطلاق، وهو معجزة حقيقية للطبيعة، باختصار، يمتلك بافاروتي صوتًا ممتدًا وكاملًا،  وبالفعل لوتشانو بافاروتي هو مُغني الأوبرا الأفضل على مر السنين.

لمعرفة المزيد عن فن الأوبرا، يمكن الاطلاع على هذا المقال.